|
22/01/2010 |
|
إعداد غادة العشا الغيبة والنميمة
عن الحسن البصري رحمه الله ، أن رجلا ً قال له : إنك تغتابني ، فقال : ما بلغ قدرُك عندي أن أحكّمك في حسناتي .
وعن ابن المبارك رحمه الله قال : لو كنت مغتابا ً أحدا ً لاغتبت والدي ّ لأنهما أحق بحسناتي ، والله أعلم .
فما هي الغيبة ؟ .......... وما هي النميمة ؟ ........
الغيبة هي : ذكرك غيرك فيما يكره ، في أخلاقه ، أو خلقه ، أو نسبه ، أو ............. سواء كنت صادقا ً ، أو غير صادق . وسواء ذكرته بلفظك أو كتابك ، أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك . وضابطه : كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم ، فهو غيبة محرمة .
عن أبي هريرة َ رضيَ الله ُعنهُ ، أنّ رسولَ الله ِ صلى الله ُ عليه ِ وسلم ، قالَ :
( أتدْرونَ ما الغيبة ُ ؟ ) قالوا : الله ُ ورسوله ُأعلمُ ، قالَ : ( ذكرُكَ أخاكَ بما يكرهُ ) قيلَ : أفرأيتَ إنْ كانَ في أخي ما أقولُ ؟ قالَ : ( إنْ كانَ فيه ِ ماتقولُ ، فقد ِ اغتبته ُ ، وإنْ لمْ يكنْ فيه ِ ماتقولُ فقدْ بَهته ُ ) . رواه مسلم . معنى بهته : أي قلت عليه ما ليس صحيحا ً ، أو افتريت عليه الكذب .
وأما النميمة : فهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد . فحقيقتها هي إفشاء السر ، وهتك الستر عما يُكره كشفه . وينبغي للمسلم أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس ، إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية . وكل من حُمِلت إليه نميمة وقيل له : قال فيك فلان كذا ، لزمه ستة أمور : 1 _ ألا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الخبر . 2 _ أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويُقبح فعله . 3 _ أن يبغضه في الله تعالى . 4 _ ألا يظن بالمنقول عنه السوء لقوله تعالى : ( اجتنبوا كثيرا ً من الظنّ إنّ بعضَ الظنّ ِ إثم ٌ ) . الحجرات 49: 12 5 _ ألا يحملك ما حكى لك على التجسس ، والبحث عن تحقيق ذلك ، لقوله تعالى : ( ولا تجَسّسوا ) . الحجرات 49 : 12 . معنى ولا تجسسوا : لا تتبعوا عورات ِ المسلمينَ .
6 _ ألا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه فلا يحكي نميمته .
وقد جاء أن رجلا ً ذكر لعمر بن عبد العزيز ، رضي الله عنه ، رجلا ً بشيء ، فقال عمر : إن شئت نظرنا في أمرك ، فإن كنت كاذبا ً فأنت من أهل هذه الآية : ( يأيّها الذينَ آمَنوا إنْ جاءَكمْ فاسِق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوما ً بجهالة ٍ فتصبحوا على ما فعلتمْ نادمِينَ . ) الحجرات 49 : 6 . وإن كنت صادقا ً فأنت من أهل هذه الآية : ( همّاز ٍ مَشّاء ٍ بنميم ٍ ) . القلم 68 : 11 وإن شئت عفونا عنك ، قال : العفو يا أمير المؤمنين ، لا أعود إليه أبدا ً .
والغيبة والنميمة محرمتان بإجماع المسلمين ، وقد تظاهر على تحريمهما الدلائل الصحيحة من الكتاب والسنة و إجماع الأمة .
قال الله تعالى : ( وَيل ٌ لكلّ هُمَزَة ٍ لمَزَة ٍ ) . الهمزة : 104 : 1 معنى هُمَزة ٍ لمَزَة ٍ : طعّان ٍ غيّاب ٍ عَيّاب ٍ .
قال الله تعالى : ( همّاز ٍ مَشّاء ٍ بنميم ٍ ) . القلم 68 : 11 . معنى همّاز ٍ : عيّاب ٍ أو مغتاب ٍ للناس ، مشاء ٍ بنميم ٍ : بالسعاية والإفساد بين الناس .
و عن حذيفة رضيَ الله ُ عنهُ قالَ : قالَ رسولُ الله ِ صلى الله ُ عليه ِ وسلم :ُ ( لا يَدخلُ الجنّة َ نمّام ) . متفق عليه . قال الله ُ تعالى : ( ولا يَغتبْ بعضُكمْ بعضا ً ) . الحجرات 49 : 12 .
وكما الغيبة محرمة ، كذلك الاستماع إليها وإقرارها ، فيجب على من سمع إنسانا ً يبتدئ بغيبة محرمة أن ينهاه عن ذلك ، فإن لم يستطع فعليه مغادرة المجلس ، فإن لم يستطع فعليه أن يُشغل تفكيره بأمور ٍ أخرى كذكر الله تعالى . وفي هذا الزمان ، نسي الناس في غمرة حياتهم ومشاكلهم تحذير الله تعالى ورسوله لهم ، وكثرت الغيبة والنميمة ، وكأن ذلك شيء عادي ، فعندما تجلس مع آخرين ففي أحيان كثيرة يتداخل في أحاديثهم التحدث عن إنسان ما ، ويتحدثون عنه بكل بساطة ، ودون تأنيب للضمير ، أو الخوف من الله عز وجل . وديننا نهى عن ذلك ، ونهى عن الغيبة والنميمة وأمر بالاقلاع عنهما ، والتوبة منها ، لأنهما من المعاصي والمحرمات . عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ :
( إنّ العبدَ ليتكلم ُ بالكلمةِ مِنْ رَضوان ِ الله ِ تعالى ما يُلقي لها بالا ً يرفعُه ُ الله ُ بها دَرَجاتٍ ، وإنّ العَبْد َ ليَتكلم ُ بالكلمة ِ مِنْ سَخط ِ الله ِ تعالى لا يُلقي لها بالا ً يَهوي بها في جَهَنم ) . رواه البخاري .
ولكن الغيبة تباح في أحوال للمصلحة ، والمجوّز لهذا غرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها ، نذكر منها ما يلي : 1 _ التظلم ، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى الذي له ولاية أو له قدرة على إنصافه من ظالمه . 2 _ الاستعانة على تغيير المنكر ورد المعاصي إلى الصواب ، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر ويكون قصده هذا ، فإن لم يقصد ذلك كان حراما ً.
3 _ الاستفتاء ، بأن يقول للمفتي ٍٍ عمن ظلمه لمشورته قي كيفية دفع الظلم عنه ، ويمكن أن يعين هذا الشخص ، فهذا جائز للحاجة ، ولكن الأحوط أن يقول ماتقول في رجل كان من أمره كذا وكذا ، أو في زوجة أو زوج كان من أمره كذا وكذا .... أو نحو ذلك .
4 _ تحذير المسلمين ونصيحتهم ، ومن ذلك : إذا استشارك أحدهم في مصاهرته لشخص ما أو مشاركته أو إيداعه أو الإيداع عنده أو معاملته أو غير ذلك ، وجب عليك أن تذكر له ما تعلمه عن هذا الشخص على جهة النصيحة ، فإن حصل الغرض بمجرد قولك لا تصلح لك معاملته ، أو مصاهرته ، أو لا تفعل هذا ، أو نحو ذلك ، لم تجزئه الزيادة بذكر المساوئ ، وإن لم يحصل الغرض إلا بالتصريح بعينه فاذكره بصريحه .
وأخيرا ً نقول اللهم أبعد عنا كل ما فيه معصية لك ، و اجعلنا من عبادك الصالحين . والحمد لله ربّ العالمين . والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين . والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .
المراجع : الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار صلى الله عليه وسلم ، و رياض الصالحين . للإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي .
|