إن مفعول <فلينّ> يعني أن الأطفال سوف يحققون في اختبارات الذكاء زيادة تساوي نحو عشر نقاط وسطيا مقارنة بما حقّقه آباؤهم. وإذا استمر مفعول <فلينّ>، فسوف يكون أحفادنا في نهاية هذا القرن أفضل منا بنحو ثلاثين نقطة، وهو الفرق نفسه بين مستوى الذكاء الوسطي ومستوى ذكاء أفضل اثنين في المئة من الناس. ولكن هل يمكن لهذا المفعول أن يستمر؟ هل سيتواصل هذا التوجه إلى ما لانهاية مؤديا إلى مستقبل يعج بأشخاص يُعدّون عباقرة وفقا لمعاييرنا الحالية؟ أم أن هناك حدا طبيعيا لمفعول <فلينّ> ولذكاء الإنسان؟

 

حالما أدرك الباحثون مفعول <فلينّ>، رأوا أن الدرجات المتصاعدة لمعدل الذكاء كانت جميعها تقريبا نتيجة للأداء المحسّن في أجزاء محدّدة من أكثر اختبارات الذكاء استعمالا. ويتضمن أحد هذه الاختبارات، وهو سلّم <وكسلر> للذكاء عند الأطفال(3)، عدة مقاطع، كلّ منها يختبر مهارات مختلفة. قد يبدو أن من الطبيعي أن نتوقع تحسينات في الذكاء المتبلور(4)، أي المعرفة المكتسبة في المدرسة. إلا أن ذلك لم يحصل. فمستويات الدرجات في المقاطع التي تقيس المهارات في الحساب والمفردات بقيت ثابتة عموما مع مرور الزمن.

ولكن أغلب زيادات معدل الذكاء تحصل في اختبارين جزئيين فقط مخصصين للمحاكمة التجريدية. يتعامل أحد هذين الاختبارين مع «التشابهات» ويطرح أسئلة من مثل: «ما وجه الشبه بين التفاحة والبرتقالة؟» ومن الإجابات عن هذا السؤال التي تحصل على درجات قليلة: «كلتاهما تؤكل». ومن الإجابات التي تحصل على درجات أعلى: «كلتاهما فاكهة»، لأنها إجابة تتجاوز الخواص المادية البسيطة. ويتكون الاختبار الجزئي الآخر من سلسلة أشكال هندسية مرتبطة فيما بينها بطريقة تجريدية، وعلى المشارك في الاختبار أن يحدد العلاقة بين الأشكال بصورة صحيحة.

ولكن من مفارقات مفعول <فلينّ> أن الاختبارات التي هي من هذا القبيل قد صُمّمت بحيث تكون قياسات عديمة التواصل الشفهي والمكتوب، ومجرّدة عن الثقافة كليا، لما يسميه علماء النفس الذكاء الطلق(5)، وهو المقدرة الفطرية على حل مشكلات غير مألوفة. ومع ذلك، يبيّن مفعول <فلينّ> بوضوح أن شيئا ما في المحيط يؤثر بصورة ملحوظة في مكوّنات الذكاء التي يفترض أنها مجرّدة عن الثقافة لدى البشر في جميع أنحاء العالم. إلا أن <.A ميتشم> و<.M فوكس> [عالما النفس في جامعة ولاية فلوريدا] اللذين قاما بأبحاث مفصّلة في الفروق بين أداء الأجيال في اختبارات الذكاء، يشكّان في أن تحسّن قدرتنا على التفكير التجريدي قد يكون مرتبطا بمرونة جديدة في طريقة إدراكنا للأشياء في العالم.

نوع خاص من الذكاء

     كيف نقيس معدل الذكاء؟ يعتبر اختبار سلّم <وكسلر> للذكاء عند الأطفال من الاختبارات الشائعة، ويتألف من عدة اختبارات جزئية، بعضها يختبر مفردات الطفل اللغوية أو مهاراته الحسابية أو إلمامه بالمعلومات العامة، أي ما يسميه البالغون المسلّمات. ويختبر بعضها الآخر قدرات الطفل المفاهيمية. وفي اختبار التشابهات مثلا، يطلب إلى الأطفال النظر إلى التشابهات المجردة بين الكلمات (ثعلب وأرنب، على سبيل المثال). وفقط في هذه الأصناف المفاهيمية من الاختبارات، ازدادت الدرجات كثيرا. ويبيّن مفعول <فلينّ> أننا نصبح أكثر ارتياحا مع التجريد.

ويقول <ميتشم>: «إنّ «زرّ» البدء في شاشة الحاسوب مألوف للجميع، ولكنه ليس «زرا» بالمعنى الحرفي للكلمة. لقد حاولت أن أشرح لجدتي كيف تطفئ حاسوبها، فقلت: 'حسنا، اضغطي زرّ البدء واختاري إيقاف التشغيل '، فإذا بها تطرق بالفأرة على الشاشة.»

ويضيف <ميتشم> أنّ جدّته ليست غير ذكية، ولكنها نشأت في عالم كانت فيه الأزرار أزرارا، ولم تكن فيه الهواتف كاميرات تصوير بالتأكيد. ويجادل عدد من الباحثين، ومنهم <فلينّ>، بأن درجات معدل الذكاء المتزايد لا تعكس زيادة في قدرات أدمغتنا الأصلية. بل إن مفعول <فلينّ> يُظهر مدى الحداثة التي طرأت على عقولنا. وهذه الاختبارات تتطلب براعة في تمييز الأصناف المجردة وتكوين روابط فيما بينها. ويقول <فلينّ> إن تلك البراعة أصبحت أكثر فائدة خلال القرن الماضي منها في أي وقت آخر من تاريخ البشرية.

ويضيف <فلينّ>: «إذا كنت لا تصنّف الأفكار المجردة، وإذا لم تكن معتادا على استعمال المنطق، فإنك لن تستطيع السيطرة على العالم المعاصر فعلا.» «فقد أجرى <.A لوريا> [وهو عالم نفسٍ سوڤييتي] مقابلات رائعة مع فلاحين في روسيا القروية في عشرينات القرن العشرين. وقال لهم: "حيثما وجد ثلج دائما، وجدت دببة بيضاء. وهناك ثلج دائما في القطب الشمالي، فما لون الدببة هناك؟" وكان جوابهم أنهم لم يروا أبدا إلا دببة بنية. إنهم لم يروا مغزى في السؤال الافتراضي.»

لم يكن الفلاحون أغبياء، بل إن عالمهم تطلّب مهارات مختلفة فقط. ويقول <فلينّ>: «أعتقد أن أكثر الجوانب إثارة في ذلك، ليس حصولنا على نتائج أفضل في اختبارات معدل الذكاء، بل هو الضوء الجديد الذي يسلطه على ما أسمّيه تاريخ العقل في القرن العشرين.»

وسريعا يؤدي تفسير ساذج لمفعول <فلينّ> إلى بعض الاستنتاجات الغريبة. فمثلا، إن مجرد إجراء استقراء من الماضي لهذا المفعول يوحي ببساطة أن معدل ذكاء الشخص العادي في بريطانيا عام 1900 كان يقارب 70 وفقا لمقاييس عام 1990. ويقول <.D هامبريك> [وهو عالم النفس الاستعرافي لدى جامعة ولاية ميتشيجان]: «هذا يعني أنّ البريطاني العادي كان على حدود التخلف العقلي، ولم يكن قادرا على متابعة قوانين لعبة الكريكيت. وهذا طبعا غير معقول.»

ورُبّما لا نكون أكثر ذكاء من أسلافنا، ولكن ليس هناك من شك في أن عقولنا قد تغيرت. ويعتقد <فلينّ> أن التغيّر بدأ مع الثورة الصناعية التي نجم عنها تعليم للجميع وعائلات أصغر ومجتمع استعيض فيه عن الأعمال الزراعية بالأعمال التقنية والإدارية. وظهرت فئات حرفية جديدة: مهندسون وتقنيو كهرباء وصناعيون، وتطلبت وظائفهم التمكّن من المبادىء التجريدية. وقد صار التعليم بدوره دافعا إلى مزيد من الإبداع والتغيير الاجتماعي، مؤسّسا بذلك حلقة من التأثير الإيجابي المستمر المتبادل بين عقولنا وثقافة مبنية على التقانة تبدو أنها لن تنتهي قريبا.

ويتفق معظم الباحثين مع تقدير <فلينّ> العام بأنّ الثورة الصناعية والتقدم التقاني هما المسؤولان عن المفعول الذي سمّي باسمه. إلا أن تحديد الأسباب الدقيقة، التي يمكن أن تدفع تصميم السياسات التعليمية والاجتماعية إلى زيادة ذلك المفعول، كان صعبا. ولكن تحسينات التعليم تفسّر بالتأكيد جزءا من التقدم. فحتى بداية القرن العشرين، لم يقضِ أغلب الأمريكيين أكثر من سبع سنوات في المدرسة. أما اليوم، فقد حصل نحو نصف عدد البالغين على شيء من التعليم العالي على الأقل.

ومع ذلك، لا يمكن للتعليم الرسمي أن يفسّر ما يحدث كليا. لقد افترض بعض الباحثين أن أغلب زيادات معدل الذكاء الملحوظة خلال القرن العشرين قد تكون حصيلة الزيادات في الطرف الأيسر من المنحني الجرسي للذكاء(6) بين أولئك من ذوي الدرجات الدنيا، وهي محصّلة قد تكون نتيجة لفرص تعليمية أفضل على الأرجح. إلا أن دراسة حديثة راجع فيها <.J واي> و<.M بوتالاز> [من جامعة ديوك] بيانات عشرين عاما تضمنت نتائج اختبار 1.7 مليون طالب من الصفوف الخامس والسادس والسابع، بيّنت أن درجات أفضل خمسة في المئة من الطلبة كانت تتزايد بتوافق تام مع مفعول <فلينّ>. ويقول <واي>: «لقد أصبح لدينا أول دليل على أن منحني الذكاء في تصاعد بكامله(7).» إن نتائج <واي> و<بوتالاز> توحي أنه نظرا إلى انزياح المنحني بأكمله، فإنه لا بد من أن تكون القوى الثقافية الكامنة وراء هذه الزيادة مؤثّرة في الجميع بالتساوي. وفي مقال قيد النشر الآن(8)، يرى الباحثان أن انتشار ألعاب الڤيديو المعقدة، وحتى بعض البرامج التلفازية، قد يتيح أرضية تدريبية تعزّز مهارات حل المسائل اللازمة لاختبارات معدل الذكاء.

إلا أن <رودجرز>، يرى أن شمولية مفعول <فلينّ> تثبت عدم جدوى البحث عن سبب وحيد: «يجب أن تكون هناك أربعة أو خمسة أسباب مهيمنة، ويمكن لأي منها أن يواجه تقلبات الأسباب الأخرى.» ويعدّ تحسّن تغذية الأطفال، وتعميم التعليم، وتقلّص عدد أفراد الأسرة، وتأثير الأمهات المتعلمات في أطفالهن، من أكثر الأسباب المحتملة. ويقول <رودجرز>: «نظرا إلى بقاء سببين موجودين، حتى حينما طرأ شيء كالحرب العالمية الثانية التي أدت إلى اختفاء السببين الآخرين، فقد ظلّ مفعول <فلينّ> قائما.»

ماذا سيحمل المستقبل؟

هل ستستمر درجات معدل الذكاء بالازدياد؟ هناك شيء أكيد واحد هو أن العالم من حولنا سوف يستمر بالتغيّر نتيجة لأفعالنا نحن في المقام الأول.

يحبّ <فلينّ> أن يستعمل تشبيها تقانيا لوصف التأثير المتبادل الطويل الأمد بين العقل والثقافة. فهو يقول: «كانت سرعات السيارات في عام 1900 بطيئة جدا لأن الطرقات كانت سيئة جدا، وكانت السيارات تهتز حتى تكاد تتجزّأ إلى قطع.» ولكن الطرقات والسيارات تطورت معا. وعندما تحسّنت الطرقات، تحسّنت السيارات أيضا، ودفعت الطرقات المحسّنة المهندسين إلى تصميم سيارات أسرع.

إن عقولنا ترتبط بالثقافة بحلقة تأثير متبادل مشابهة. فنحن نكوّن عالما تأخذ فيه المعلومات صيغا وتتحرك بسرعات لم يكن بالإمكان تصورها قبل بضعة عقود فقط. وكلّ إنجازٍ تقاني يتطلب عقولا قادرة على استيعاب هذا التغيّر، ويعيد العقل الذي يتغيّر تشكيل العالم على نحو أكبر. ومن غير المحتمل أن ينتهي مفعول <فلينّ> خلال هذا القرن، وهذا ما ينبئ بعالم قادم نُعتبر فيه أنا وأنت تعيسين وغير عصريّين ومحدودي التفكير.

طبعا، لا تتغيّر عقولنا بطرائق يمكن كشفها باختبارات معدل الذكاء فقط. يقول <هامبريك>: «إن الناس يزدادون سرعة، وأنا متيقّن من ذلك. وهناك ممارسة شائعة في الأبحاث المتعلقة بمدة رد الفعل، وهي تجاهل الإجابات التي تقل مدتها عن نحو 200 ميلّي ثانية. فقد كان الاعتقاد السائد أن مدة الـ200 ميلي ثانية هي أقصر مدة ممكنة لاستجابة الشخص. ولكن إذا سألت شخصا أسهم في مثل هذه الأبحاث، وجدت أن على الباحثين تجاهل إجابات أكثر، لأن الناس يزدادون سرعة. إننا نرسل رسائل نصية ونلعب ألعاب الڤيديو ونقوم بأشياء كثيرة أخرى تتطلب ردود أفعال سريعة حقا. وأنا أعتقد أنه حالما نحصل على بيانات كافية، سوف يكون بمقدورنا رؤية مفعول <فلينّ> في قياسات سرعة الإدراك الحسي.»

قد يكون علينا ألاّ نتفاجأ كثيرا بوجود شيء من قبيل مفعول <فلينّ>، فغيابه يمكن أن يكون مدعاة للدهشة، لأن ذلك سوف يعني أننا لم نعد نستجيب للعالم الذي نصنعه. ومفعول <فلينّ> ذاته ليس شيئا جيدا أو سيئا - فهو دليل من دلائل تأقلمنا، والقدرات التي يعكسها تسمح لنا بالتدمير بقدر ما تسمح لنا بالإبداع. فإذا كنا محظوظين، ربما سنستمر في بناء عالم يجعلنا أذكى فأذكى، عالم تتعجب فيه ذرّيتنا من بساطتنا.