أدت الصعوبات التي اكتنفت نظام المقايضة إلى بروز محاولات جادة للبحث عن وسيلة مناسبة تُستعمل في التبادل بعد أن أخذ هذا الأخير أبعادا أوسع بين المجتمعات المختلفة، بسبب التزايد السكاني وتطور نظم الحياة وتعقدها.

 

فظهرت النقود وتم بذلك القضاء على نظام المقايضة بصعوباته ومشاكله، غير أن ظهور النقود تزامن معه طرح أسئلة عديدة، منها: ما هي وظائف هذه
النقود؟ ومم تصنع؟
ونلحظ اهتمامًا بهذا الأمر منذ عهد الإغريق حيث إن أفلاطون قد ذكر خاصية كون النقود ولم،( Medium of Exchange) وسيطًا للتبادل يشترط معدنا خاصا تسك منه النقود، لأنه كان يرى أن النقود ليست لها قيمة ذاتية بل ذهب إلى حد مهاجمة استعمال،الذهب والفضة في سك النقود على أساس أن استخدامهما كنقود يؤدي إلى نتائج غير محمودة من الناحيتين الأخلاقية والاجتماعية، ثم تبعه أرسطو الذي كانت نظريته تختلف  في بعض الجوانب  عن تلك التي اعتنقها أفلاطون، وهي تتلخص فيما يلي:
وساطتها في عمليات التبادل.

 

الوظيفة الأولى كوسيط للتبادل، ويعني هذا الفرض أن النقود لا بد أن تكون شيئًا له منفعته الذاتية وله قيمته التبادلية المستقلة عن الوظيفة النقدية.
وقد أضاف علماء الاقتصاد بعد ذلك  على مر الأزمنة  إلى خاصية التبادل هذه خصائص أخرى هي:

النقود هي أي وسيط للتبادل ذو قابلية عامة يتم دفعه في مقابل السلع والخدمات وفي تسوية الديون.
كما أن النقود تعمل كمقياس للقيمة فيمكن المقارنة في القيمة النسبية لمختلف السلع والخدمات كما أنها تعمل كخازن للقيمة؛ فإذا أراد شخص أن يشتري طعاما على سبيل المثال يكفيه لمدة عام فإن أنواعاً كثيرة من هذا الطعام ستفسد وتكون غير صالحة للاستخدام قبل انقضاء مدة العام، ولكن إذا ما وفر هذا الشخص النقود المطلوبة لشراء هذه الأنواع وقام بشرائها حسب حاجته على مدار العام، فإن ما يوازي قيمة هذا الطعام نقودًا لن يتعرض للتلف حتى يتم استخدامها.
وعدد الوحدات النقدية التي يتطلبها شراء سلعة ما تُسمى سعر السلعة. ودون استخدام النقود، تهبط التجارة لما يسمى المقايضة، أي تبادل سلعة مقابل سلعة أخرى.
في عالم المقايضة الشخص الذي يملك ما يتاجر به يجب أن يبحث عن شخص آخر يريد هذا الشيء. وعنده شيء مقبول يعرضه في المقابل. أما في عالم النقود، فهناك الدور الذي تلعبه "القابلية العامة"، أي أن مالك السلعة يبيعها في مقابل النقود والتي سيتقبلها منه أي شخص آخر في مقابل شرائه لسلعة يحتاجها، وبذلك يتجنب الوقت والجهد الذي كان سيبذل ليصل لشخص عنده المقايضة المطلوبة.
والقيمة الحقيقية للنقود تتمثل في قدرتها الشرائية والتي هي بدورها تعتمد على مستوى سعر السلع (علاقة عكسية).
وأهم نوعين للنقود نقود سلعية: قيمتها تقريبا تساوي قيمة المادة المحتوية عليها، عادة ما تكون ذهباً فضة أو نحاساً.
نقود ائتمانية: وهي أوراق مدعمة بوعود ممن أصدرها سواء أكان حكومة أو بنكاً لسداد ما يساوي قيمتها نقدا.
لم يكن سكان العالم القديم يعرفون النقود قبل ( ٥٠٠٠ ) عام، بل كان الشخص يحصل على ما يريد بالتبادل… إما حاجة لقاء حاجة أو خدمة لقاء حاجة أو
خدمة لقاء خدمة.
وفي القرن السابع ق.م ظهرت أولى القطع النقدية في مدينة ليديا في آسيا الصغرى (الواقعة على الطريق بين اليونان والشرق) وقد ارتأى سكان ليديا
تسهيل عمليات بيع وتبادل البضائع المختلفة بقطع نقدية تحمل شعار المدينة.
وفي حوالي نفس الوقت ظهرت النقود الإغريقية (اليونانية) وكانت تسمى (دراهم) كل درهم على شكل سلحفاة وزن الواحد منها ستة غرامات. وقد ظهرت أولى الكتابات على النقود الإغريقية في القرن السادس ق.م.
إن الحاجة للسلعة بالإضافة إلى توفر الفائض منها هو الذي يحدد قيمة هذه السلعة بشكل أساسي، فكأس الماء بالنسبة لرجل مشرف على الموت عطشاً له
قيمة أكبر من مليون لتر لرجل لديه نهر ماء.
إن تحديد القيمة النقدية لأي شيء تابع للجهة التي تقوم بهذا التحديد، بالإضافة إلى طبيعة وخصائص هذا الشيء، وتحديد قيمة سلعتين بالنسبة لبعضهما غير ممكن إذا لم تحدد الجهة المرجع لهذا التحديد، لذلك تتغير قيمة السلع أو الأشياء تبعاً لتغير مرجع القياس. فالذهب والدولار لهما قيمة عالية لأغلب الناس ولكن ليس بالنسبة لرجل غابات ا لأمازون البدائي.
وقد قال أرسطو أن التبادل لا يمكن أن يجري دون القياس المشترك للأشياء التي يتم التبادل بها، وهذا هام جداً. فالقياس المشترك أو تحديد القيم للأشياء التي يتم التبادل بها هو الذي يسمح بالمقارنة والقياس بينها، وبالتالي تحديد قيمة كل منها بالنسبة للأخرى، وقد كان للنقود - وهي وحدات القيمة الموحدة والعامة بين الجماعة- دوراً في تسهيل القياس المشترك للسلع التي يجري تبادلها.
يمكن اعتبار دور سيالات النقود في المجتمع البشري كدور سيالات الدماء في
الكائن الحي، فهناك تشابه في بعض النواحي، وهناك فرق أساسي فسيالات
النقود لا تغذي البنيات الاجتماعية أو الأفراد مباشرةً، فهي تقوم بهذا
بطريق غير مباشر كوسيط أو مساعد. فدورالنقود الأساسي هو تسهيل وتنظيم
وتسريع الصفقات والتبادلات، بالإضافة إلى المساعدة والتشجيع على الإنتاج
والنمو. فالنقود يمكن اعتبارها سلعاً وهمية أو سلعاً وسيطة تقوم بإنتاج
أو المساعدة على إنتاج السلع الحقيقية.
بنية النقود هناك البنيات الفيزيائية والبنيات الحية والبنيات الفكرية والبنيات
الاجتماعية والبنيات التكنولوجية......الخ، وخصائص البنيات الفيزيائية
تشمل البنيات الكيميائية والفزيولوجية والعصبية، ولكنها لا تشمل البنيات
الشعورية أو النفسية أو الفكرية فهذه البنيات لها خصائصها المميزة والتي
تختلف عن خصائص البنيات الفيزيائية، فالبنيات الفكرية لا تخضع للكثير من
القوانين والآليات التي تخضع لها البنيات الفيزيائية.
وبنية النقود هي أيضاً بنية مختلفة عن البنيات الفيزيائية بالإضافة
لاختلافها عن البنيات الفكرية، فهي لها خصائصها الخاصة بها، فهي تتشابه
مع البنيات الفكرية في بعض الخصائص، وتتشابه أيضاً مع البنيات الفيزيائية في بعض الخصائص، ولكن يظل لها خصائصها المميزة والخاصة بها وحدها.
ومن أهم خصائص بنية النقود قدرتها على التحول إلى الكثير من البنيات
الأخرى إن كانت مادية أو حسية وفكرية أو تكنولوجية، وكذلك تسمح للكثير من أنواع البنيات الأخرى بالتحول إلى نقود. وآليات نشوء وتكون النقود ونموها وتطورها وموتها تختلف في بعض النواحي عن باقي البنيات.
وقد كانت النقود في تفاعلها مع بعضها ومع باقي أنواع البنيات الأخرى، مثل
الأفراد والبنيات الاجتماعية والتكنولوجية، قد أنشأت البنيات التجارية
والاقتصادية المتطورة مثل البنوك والشركات والأسواق والبورصات وكلما يشمل الاقتصاد الدولي والسياسي.
إن بنية النقود وباقي البنيات الاقتصادية لا يمكن أن تنشأ دون البنيات
المادية، والبشر وباقي البنيات الاجتماعية الأخرى، أي أن البشر هم بنيات
تحتية لبنية النقود.
فيمكن للنقود أن تكون بديلاً للكثير من أنواع البنيات وهذه أهم خصائص
بنية النقود. والخاصية المميزة الأخرى للنقود هي طريقة نشوئها أو خلقها
فيمكن أن يتم ذلك بطرق متنوعة و غريبة ومختلفة عن خلق أو تكون البنيات
الفيزيائية، فيمكن خلق النقود من العدم. ويمكن أن تتكاثر وتنمو أو تموت
بطرق مختلفة.
وإن نشوء عملية إقراض النقود أو استئجارها لفترة زمنية سمح بتشكل الكثير
من أنواع البنيات الاقتصادية المعتمدة على النقود كأساس. والتحكم بالنقود
وإدارتها بتحريكها وتحويلها إلى بنيات أخرى وبالعكس خلق أغلب البنيات
الاقتصادية، وكذلك نماها وطورها. فعمل التاجر والرأسمالي والمدراء.... هو إدارة النقود والموارد الأخرى ومفاعلتها مع البنيات الأخرى، لبناء أو تطوير أو نمو البنيات والمشاريع بكافة أشكالها.
إن نمو وتكاثر النقود لا يمكن أن يتم دون جهد بشري، يعمل على نمو البنيات
التي تتحول إليها النقود، أي الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو الفكري.. و
إلا تحول إلى نمو رقمي فارغ – تضخم نقدي.
إن أهمية النقود والبنيات الاقتصادية الأخرى بالنسبة لنا هي مساهمتها
الفعالة في رفع القدرات البشرية وتنظيمها. فهي تعمل على إدارة العجلات الاقتصادية، وذلك من خلال التنافس على الربح والنمو الذاتي والجماعي، وتنمية البنيات المادية والاجتماعية والفكرية.
كما ذكرنا، فإن أهم خصائص النقود هي قدرتها على التحول إلى أنواع كثيرة
من البنيات المختلفة، فتستطيع النقود أن تتحول إلى بيت أو سيارة أو طعام
أو أي شيء إذا كانت الأوضاع والعناصر مناسبة وتسمح بذلك. وكذلك تستطيع أنواع كثيرة من البنيات أن تتحول إلى نقود, فالبنيات المادية
والتكنولوجية والزراعية والحيوانية والفكرية يمكن أن تتحول إلى نقود أو
العكس.
فبواسطة النقود وقدرتها على التحول إلى بنيات أخرى نستطيع أن نختصر الزمن ونقوم بالحصول على البنيات التي نريد بسرعة. يقولون "شراء العبد ولا تربيته" إي يمكننا بواسطة النقود شراء العبد فوراً ولا ننتظر تربيته سنين
طويلة، وكذلك شراء المزرعة أو المصنع أو المنزل. ونستطيع الآن شراء
المعرفة والخبرة، ونحقق نقطة انطلاق متقدمةلنا لتحقيق أهدافنا، وكل ذلك
بالاعتماد على خصائص النقود.
يمكن اعتبار النقود- الآن-سلعاً وهمية لأنها خلقت من العدم، ويمكن
تشبيهها بالقيم السالبة. إن مفهوم الدَيْن هو الذي خلق النقود، وبإصدارها
فهي تكون على شكل دين على الذي يصدرها، فعندما نخلق نقوداً (أي نصدرها) نعطيها قيمة. إنها دين يجب تسديده، ففي النهاية يجب أن تعود هذه النقود وتتحول إلى سلع أو خدمات، أي يسدد مقابلها. طبعاً هذا وضع النقود في
الوقت الحالي أما في الماضي فكانت النقود تحمل قيمتها معها، فهي كانت
المادة العينية , سلع أو ذهباً أو فضة....الخ ولم تكن ديناً.
والنقود إذا لم يتم الاعتراف بها من قبل الجماعة التي تتداولها، ووجود
ضمان إمكانية تسديد قيمتها، تفقد قيمتها ويتوقف تداولها. فالنقود خلقت من
العدم والذي سمح بذلك هو وجود فائض في الموارد و الإمكانيات، بالإضافة
إلى توفر المعارف المستقبلية الدقيقة ووجود ضمان قوي للصفقات المؤجلة،
وإذا لم يتوفر كل ذلك تفشل عملية خلق النقود فتعود وتموت.
وعملية خلق النقود هي عملية دين، ودور الدين هام جداً في تسهيل وتسريع
عمليات التبادل في الصفقات غير المنجزة.
والنقود هي مرجع موحد أساسي للتقييم لدى الجماعة التي تتداولها. لقد
أصبحت غالبية الأشياء تقيم بالنقود، فالعمل والجهد الجسمي والفكري
المبذول يقيم بالنقود، وكذلك الأحاسيس والمشاعر وكافة الفنون يمكن أن
تقيم بالنقود. فالنقود أصبحت مرجع أغلب التقييمات البشرية، وصار يقال لكل
شيء ثمن ويقاس بالنقود. ولكن تبقى بعض الأشياء خارج هذا التقييم مثل بعض السلع والخدمات الفردية والجماعية، وكذلك بعض المشاعر والأفكار والفنون.
إن التجارة وكافة أشكال الاقتصاد هي حركات لتحولات النقود إلى بنيات أخرى والعكس، وهذه الحركات والتحولات مقيدة بآليات أو قوانين معينة. فالرأسمال في الوقت الحاضر يمكن أن يتحول إلى معرفة وإعلام، ويمكن أن يتحول إلى تكنولوجيا.
والذي يملك القدرة على التحكم بالرأسمال الكبير يستطيع التعامل والتحكم
بخيارات كثيرة، فهو يستطيع حتى شراء الخيارات والقدرات (يجب أن نلاحظ أن الذي يقود التحكم بالرأسمال هو في النهاية المعرفة وبالتالي الإدارة)
وهذا يعقد الوضع فهناك حلقات من التأثيرات المتبادلة- تغذية عكسية- حاصلة
بين المعرفة والتحكم والإدارة من جهة، والقدرات والخيارات من جهة أخرى.
إن التحكم بالرأسمال ليس تابعاً لإرادة الأفراد فقط، فهو تابع أيضاً لأنظمة وقوانين وتأثير الكثير من البنيات الأخرى مثل البنيات الاجتماعية والسياسية والقانونية والعقائدية، فإذا كان لديك المال الكثير فأنك لا تستطيع أن تفعل به ما تشاء، فهناك الكثير من الموانع والكثير من الالتزامات التي تفرض عليك، فإن جريان سيالات النقود ونموها وتطورها تابع أيضاً لآليات وقوى خارجة عن قدرات الأفراد.
لقد شاركت بنية النقود وباقي البنيات الاقتصادية في التفاعلات التي تشكل
البنيات الاجتماعية، فلم يعد إنتاج السلعة واستهلاكها هو المؤثر الأساسي
في البنيات الاجتماعية فقد دخلت تأثيرات النقود وباقي البنيات الاقتصادية
في التفاعلات التي تشكل وتطور وتنمي البنيات الاجتماعية, فالتجارة
والأسواق والاستثمار والبنوك والشركات والبورصات.... صارت تؤثر على
البنيات الاجتماعية بالإضافة لتأثيرها على الأفراد. وهذا ولد بنيات
وعلاقات اجتماعية واقتصادية جديدة، وكذلك ولدت أو تشكلت بنيات اقتصادية
جديدة متطورة ومعقدة، ثم عادت كل هذه البنيات ودخلت في التفاعل، لتشكل
بنيات جديدة, ومازال هذا التفاعل جارياً.
لقد كان يفسر نشوء الرأسمالية بالنسبة الكثير من الغربيين أنه راجع
لأخلاق وأسلوب ومنهج حياة المسيحيين البروتستانت المعتمدة على الادخار
والعمل، وأن الحضارة الغربية مميزة وفريدة. هذه وجهة نظر.
ويمكن اعتماد وجهة نظر أخرى وهي أن الرأسمالية هي بنية معقدة ومتطورة
نشأت بشكل أساسي من تفاعل بنية النقود التي تملك الخاصية المميزة وهي
القدرة على التحول إلى أغلب الأشياء، مع البنيات الاقتصادية المتطورة مثل
البنوك والمصانع والشركات، التي كانت قد نشأت نتيجة وجود النقود.
فالرأسمالية كانت ستنشأ حتماً، فهي نتيجة تطور بنية النقود. وهي مثلاً لم
تنشأ في الصين مع أن حضارتها متطورة بشكل كبير ومتقدمة على الحضارة
الغربية في نواحي كثيرة، وذلك بسبب اختلاف نوع وكمية الصفقات التي تجري في كل منهما. فالصفقات غير المنجزة الكثيرة والمتنوعة التي وجدت في الغرب والتي لم تكن موجودة في الصين هي التي طورت البنيات
الاقتصادية المتطورة- البنوك وغيرها- اللازمة لنشوء الرأسمالية. فالصفقات
التي كانت تجري في الكثير من المدن والمراكز الغربية في مجال التجارة
والصناعة، كانت أغلبها صفقات غير منجزة، وكانت مع أطراف متنوعة كثيرة وعبر بلدان كثيرة، وهذا لم يوجد في الصين. فهذا أدى لنشوء وتطور البنيات الاقتصادية اللازمة لنشوء الرأسمالية.

١ - بالرغم من أن النقود لها وظائف عديدة إلا أن الوظيفة الأساسية لها هي ٢ - النقود لا بد أن تكون ذات قيمة سلعية في حد ذاتها وذلك لكي تؤدي ١ - النقود مقياس للقيم ٢ - النقود أداة لاختزان القيم ٣ - النقود أداة لقياس المدفوعات المؤجلة